فخر الدين الرازي

145

تفسير الرازي

فالحكم كمال القوة النظرية * ( وألحقني بالصالحين ) * كمال القوة العملية ، وقد أطنبنا في شواهد هذا المعنى من القرآن فيما تقدم من هذا الكتاب . إذا عرفت هذا فنقول : الأمر في هذه الآية أيضاً كذلك ، فقوله * ( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله لا نفرق بين أحد من رسله ) * إشارة إلى استكمال القوة النظرية بهذه المعارف الشريفة وقوله * ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) * إشارة إلى استكمال القوة العملية الإنسانية بهذه الأعمال الفاضلة الكاملة ، ومن وقف على هذه النكتة علم اشتمال القرآن على أسرار عجيبة غفل عنها الأكثرون . والوجه الثاني : من النظم في هذه الآية أن للإنسان أياماً ثلاثة : الأمس والبحث عنه يسمى بمعرفة المبدأ واليوم الحاضر ، والبحث عنه يسمى بعلم الوسط ، والغد والبحث عنه يسمى بعلم المعاد والقرآن مشتمل على رعاية هذه المراتب الثلاثة قال في آخر سورة هود * ( ولله غيب السماوات والأرض وإليه يرجع الأمر كله ) * ( هود : 123 ) وذلك إشارة إلى معرفة المبدأ ولما كانت الكمالات الحقيقية ليست إلا العلم والقدرة ، لا جرم ذكرها في هذه الآية ، وقوله * ( ولله غيب السماوات والأرض ) * إشارة إلى كمال العلم ، وقوله * ( وإليه يرجع الأمر كله ) * إشارة إلى كمال القدرة ، فهذا هو الإشارة إلى علم المبدأ ، وأما علم الوسط وهو علم ما يجب اليوم أن يشتغل به ، فله أيضاً مرتبتان : البداية والنهاية أما البداية فالاشتغال بالعبودية ، وأما النهاية فقطع النظر عن الأسباب ، وتفويض الأمور كلها إلى مسبب الأسباب ، وذلك هو المسمى بالتوكل ، فذكر هذين المقامين ، فقال : * ( فاعبده وتوكل عليه ) * ( هود : 123 ) وأما علم المعاد فهو قوله * ( وما ربك بغافل عما يعملون ) * ( الأنعام : 132 ) أي فيومك غداً سيصل فيه نتائج أعمالك إليك ، فقد اشتملت هذه الآية على كمال ما يبحث عنه في هذه المراتب الثلاثة ، ونظيرها أيضاً قوله سبحانه وتعالى : * ( سبحان ربك رب العزة عما يصفون ) * ( الصافات : 180 ) وهو إشارة إلى علم المبدأ ، ثم قال : * ( وسلام على المرسلين ) * ( الصافات : 181 ) وهو إشارة إلى علم الوسط ، ثم قال : * ( والحمد لله ربّ العالمين ) * ( الصافات : 182 ) وهو إشارة إلى علم المعاد على ما قال في صفة أهل الجنة * ( وآخر دعواهم أن الحمد لله ربّ العالمين ) * ( يونس : 100 ) . إذا عرفت هذا فنقول : تعريف هذه المراتب الثلاثة مذكور في آخر سورة البقرة ، فقوله * ( آمن الرسول ) * إلى قوله * ( لا نفرق بين أحد من رسله ) * إشارة إلى معرفة المبدأ ، وقوله * ( وقالوا سمعنا وأطعنا ) * إشارة إلى علم الوسط ، وهو معرفة الأحوال التي يجب أن يكون الإنسان عالماً مشتغلاً بها ، ما دام يكون في هذه الحياة الدنيا ، وقوله * ( غفرانك ربنا وإليك المصير ) * إشارة إلى علم المعاد ، والوقوف على هذه الأسرار ينور القلب ويجذبه من ضيق عالم الأجسام إلى فسحة عالم